كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وعن ابن مسعود قال: لا يأتي عام إلا وهو شر من الذي قبله، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم (¬1).
وقد استوعب أهل المدينة هذه الآثار فهابوا التفسير، وانشرحت صدورهم للرواية المجردة عن الرأي، وظل هذا الأمر مدة من الزمان.
قال الليث بن سعد: جئت ابن شهاب الزهري يوما بشيء من الرأي، فقبض وجهه، وقال: الرأي! كالنكارة له ثم جئته بعد ذلك يوما آخر بأحاديث من السنن فتهلل وجهه، وقال: إذا جئتني فأتني بمثل هذا (¬2).
وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتبعوا الرأي، وأخذوا فيه (¬3).
وقال أيضا: دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي (¬4).
فهذا كان دأب أهل المدينة، ولأجل ذا قلّ عنهم الاجتهاد، والاستنباط، بل والكلام في التفسير، وقد تقدم شيء من ذلك (¬5).

4 - المواهب الإلهية:
المقصود بالمواهب الإلهية هنا ما حباه الله للإنسان من ملكات وقدرات فكرية ونفسية، مما له أثر كبير على الاجتهاد في التفسير.
ولعل أبرز ما ظهر لي أثناء التتبع أن الأئمة اعتمدوا على موهبتين أكثر من غيرهما:
¬__________
(¬1) الفقيه والمتفقه (1/ 182)، وجامع بيان العلم (1/ 95).
(¬2) المعرفة والتاريخ (1/ 625)، وتاريخ دمشق (15/ 509).
(¬3) جامع بيان العلم وفضله (2/ 168)، وإعلام الموقعين (1/ 74).
(¬4) إعلام الموقعين (1/ 74).
(¬5) ينظر مبحث خصائص المدرسة المدنية ص (592).

الصفحة 737