الأولى: الذكاء الفطري القادر على التحليل والتوجيه والاستنباط.
الثانية: الحافظة القوية التي تتسع للكثير من المسائل والآثار.
وكون أحد الأئمة اجتهد في إعمال أحد الصفتين لا ينفي أن له نصيبا من الصفة الأخرى، بل وغيرهما من الصفات، إلا أن المقصود أن الأئمة لما برز لأحدهم مجال لإعمال ما وهبه الله له من عقل أو ذكاء أو حفظ، فإنه يتجه به إلى استغلاله على النحو الأوفق، في حين لو كانت هذه الصفة لغيره لما استفاد كثيرا منها، هذا من جهة.
ومن جهة تأثير هذه الصفات في الاجتهاد فهو ظاهر، فمجاهد على سبيل المثال لم يرزق حافظة ابن المسيب، أو قتادة مثلا، لكن رزقه الله ذكاء وفطنة، فأعمل فكره ووسع دائرة تدبره لسد ما فاته في جانب الحافظة، وربما ظهر وكأنه مغتم ضل حماره من شدة التركيز والتفكير في الاستنباط (¬1)، فشمل بتدبره الكثير من الغامض والمشكل، والفرق بين المفردات المتشابهة، فبلغ فيه شأوا لم يصل إليه غيره، واحتاج الناس إلى علمه، وقريب منه في هذا الباب الحسن البصري رحمه الله، فقد نقلت عنه من الاستنباطات والتفسيرات البليغة بالألفاظ الفصيحة ما لم ينقل عن غيره.
وقد أثنى أهل العلم على علم هذين الرجلين خصوصا في مجال المحكم والمتشابه، فقد ذكر شيخ الإسلام في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلى َ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} (¬2)، قال: قوله: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} يعود إلى القرآن كله، فعلم أن الله يحب أن يفقه، ولهذا قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت، وماذا عني بها، وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره (ثم تكلم عن مجاهد) وقال:
ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به (¬3).
¬__________
(¬1) ينظر ص (134) من هذا البحث.
(¬2) سورة الكهف: آية (57).
(¬3) مجموع الفتاوى (13/ 285284).