كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وبرع مجاهد في استخراج الكليات، وبيان المشكل، وتفسير الغريب، مما يؤكد حسن استخدامه لهذه المنحة الإلهية له بالعقل والفطنة، يلمس ذلك من يقرأ له في مجال بيان الآيات المشكلة خصوصا.
أما صفة الحفظ، فهي من الصفات التي اختص الله بها بعض الناس دون بعض، ويتفاوت الحفاظ فيما يحفظونه، كما سبق القول عن قتادة ونحوه، فلربما كان قتادة أقل ذكاء من مجاهد، ولكن لم يمنعه ذلك من أن يبرز وينتشر علمه انتشار علم مجاهد، بل وأكثر بالنسبة للعراق لأن الله وهبه الحافظة القوية، فحفظ كثيرا وجمع شيئا عظيما، فلما كان دور الرواية انتقى من محفوظه، واختار من مجموعه، وألقاه للناس في عبارة جميلة، وأساليب فصيحة بليغة أحيانا، بسبب تأثره بالحسن، وبعبارة فقهية دقيقة في آثار أخرى، بسبب تأثره بسعيد بن المسيب، ولذا حمل الناس عنه العلم، وتناقلت أقواله الألسن، وانتفع به القريب والبعيد إلى يومنا هذا، وهذا كله من نتاج الاستخدام الجيد للصفة الفطرية، والمنحة الربانية، التي ما منا إلا وله نصيب منها، ولكن فضل الله في استخدامها والانتفاع بها يؤتيه من يشاء.

5 - الورع:
الورع من الصفات الحميدة التي يتصف بها المؤمن، وإذا كان الورع محمودا في شيء، فإنه يكون أشد فضلا وأعظم قدرا في مجال الدين والقرآن والسنة، للنصوص الواردة في ذم التكلف والفتيا بغير علم ولذا كان جمهور السلف يعظم شأن التفسير.
وليس المراد هنا إعادة ما سبق تقريره من ورع هذه المدرسة أو تلك، وإنما المراد بيان أثر هذه الصفة على التفسير، مع التأكيد أن من اجتهد في التفسير لم يكن مقدما على محرم، ومن ترك الاجتهاد لم يكن تاركا للأفضل، وإنما هي السلامة ينظر إليها هذا بنظرة شاملة لما حوله من عوامل فيخرج لنا برأي، وينظر إليها ذاك فيرى أن الإمساك بها
هو قلة الاجتهاد، وكلهم كان على خير وفضل.

الصفحة 739