كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وليس المراد هنا إعادة ما سبق تقريره من ورع هذه المدرسة أو تلك، وإنما المراد بيان أثر هذه الصفة على التفسير، مع التأكيد أن من اجتهد في التفسير لم يكن مقدما على محرم، ومن ترك الاجتهاد لم يكن تاركا للأفضل، وإنما هي السلامة ينظر إليها هذا بنظرة شاملة لما حوله من عوامل فيخرج لنا برأي، وينظر إليها ذاك فيرى أن الإمساك بها
هو قلة الاجتهاد، وكلهم كان على خير وفضل.
إن وجود مثل هذا في الأمة يدل على ظاهرة طيبة، فلولا وجود ورع سعيد بن المسيب وهو عالم العلماء والنخعي، لأقدم من لا علم له على الخوض في كتاب الله بالحق تارة وبالباطل تارات، وفي المقابل لولا إقدام مجاهد والحسن لضاع علينا فرصة الاستفادة من علوم هؤلاء، ولجاء من بعدهم فأفتى في كتاب الله بغير علم فضل وأضل.
إن الكلام على ورع ابن المسيب وعروة لا يعني أنهم كانوا لا يفقهون شيئا من القرآن، بل قد احتفظت لنا كتب التفسير بالكثير من اجتهاداتهم ورواياتهم في تفسير القرآن، إلا أنها في الغالب لا تتعدى المعلوم والمعروف، فاكتفوا بالآثار التي نقلوها عن النبي وصحابته، وما عز عليهم فهمه وكلوه لعالمه، ولم يتجرءوا على الخوض فيه ورعا، وخاض غيرهم طلبا للأجر، فالكل مصيب من وجه، فالحسن مثلا تكلم احتسابا، أما ابن سيرين فقد سكت احتسابا وكلاهما ينتمي لمدرسة واحدة (¬1).
وحفل لنا التراث التفسيري بهذه النماذج الخيرة حتى ننسج على منوالهم، فلا يترفع عالم عن ورع ولا يقدم طالب عن جرأة.
وصفة الورع يمكن أن تبحث مع المطلب السابق (الصفات الفطرية) إلا أنه لأهميتها كما بينتها رأيت أن أفردها باعتبارها سببا رئيسا لتفاوت الاجتهاد عند التابعين، ونحاول هنا أن نتعرف على حالهم في هذه الصفة وأثر ذلك على الاجتهاد والتفسير.
قال ابن عطية: إذ كان جلة من السلف كابن المسيب، والشعبي، وغيرهما يعظمون تفسير القرآن (¬2).
¬__________
(¬1) وقد سبق بيان الفرق بين هذين الإمامين في مبحث المقارنة بين البصريين ص (432).
(¬2) تفسير القرطبي (1/ 27).

الصفحة 740