غضة طرية، وعبارات هؤلاء لطيفة قوية، والكل ينظم في سلك واحد.
6 - أثر البيئة:
دأب الباحثون في علم الاجتماع على تعظيم أمر البيئة، وأثرها في الإنسان، ودائما يضعونها في المرتبة الأولى من الأسباب، هذا إن ذكروا معها غيره، ولكني رأيت أن الإنسان وإن كان له تأثر ملموس بالبيئة المحيطة به إلا أن تأثيره غالبا ما يكون أقوى إذا جمع مؤهلات التأثير.
ولم يكن ثمة موانع، ولأجل ذا أخرت الكلام على هذا الجانب، مقدما عليه ما يلوح لي أنه أعظم تأثيرا، وأبعد أثرا في مسألة الاجتهاد في التفسير، وأضرب هنا مثالين: أحدهما في تأثير البيئة على الإنسان، والثاني عكسه، فأما الأثر الواضح للبيئة فهو أثر المقام في مكة المكرمة في علم الرجل بالمناسك، وهذا أمر لا بد منه لأن زوّار البيت والعمّار والحجاج يفدون إلى مكة في كل السنة، وكل منهم يحتاج إلى سؤال، أو أكثر، فكثرة الأسئلة، وابتلاء أحوال الناس يؤدي إلى تفتح المسائل، وصقل القريحة، وتفتق الاجتهادات.
ومن هذا الباب قالوا: إن علم عطاء كان في المناسك (¬1)، مع قلة المروي عنه في باب الاجتهاد، في حين كان علم إبراهيم في الصلاة. قال مطر الوراق: وكان علم صاحبنا الحسن في كل (¬1).
وها هو عكرمة يحدث فيقول لغلامه: يا غلام هات الدواة والقرطاس، فقال: أعجبك قلت: نعم، قال: إنما قلته برأيي (¬2)، هذا مع أن عكرمة أكثر حديثه عن الصحابة (¬3).
¬__________
(¬1) تاريخ أبي زرعة (2/ 683).
(¬2) السير (5/ 29)، وتهذيب الكمال (2/ 286)، والتهذيب (7/ 269).
(¬3) الكامل لابن عدي (5/ 1907)، والسير (5/ 30)، وهدى الساري (429).