كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

منهم، لكن ينبغي أن يتنبه أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر، وهشام في حديث الباب: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم (¬1).
ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم، واستحرّ القتل في القرّاء في حروب الردة، أشار عمر رضي الله عنه على أبي بكر بجمع القرآن، ثم شرح الله صدر أبي بكر لذلك، وأوكلوه إلى زيد بن ثابت (¬2) فجمعه، وأثبت منه ما كان متوافقا مع العرضة الأخيرة، فما سواها يكون منسوخا، وكان يتثبت في ذلك بإقامة شاهدين على كل آية يكتبها أنها مما كتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، فلم يكتف بحفظه هو، ولذلك نراه يقول:
«فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف (¬3)، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} (¬4)» حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما (¬5).
ولما رأى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلاف الناس في القراءة، أشار على عثمان بجمع الناس على مصحف واحد، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوا المصاحف، وبعث
¬__________
(¬1) فتح الباري (9/ 27).
(¬2) وبين أبو بكر رضي الله عنه سبب اختيار زيد، وهو اجتماع أربع مميزات فيه، وهي: العقل، والشباب، وعدم التهمة، وأنه من كتاب الوحي، ينظر الفتح (9/ 10).
(¬3) تراجع الآثار الدالة على ذلك، والكلام عليها في الفتح (9/ 14، 15).
العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، واللخاف: جمع لخفة وهي الحجارة الرقاق، ينظر الفتح (9/ 14).
(¬4) سورة التوبة: آية (128).
(¬5) صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن: باب جمع القرآن، ينظر الفتح (9/ 10) 4986.

الصفحة 750