بها في الآفاق، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (¬1).
والظاهر أن الجمع الأخير هذا كان على بعض الحروف السبعة لا كلها لأن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت (¬2).
يقول أبو شامة: «فالحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي (تجري من تحتها الأنهار) في آخر براءة، وفي غيره بحذف (من)، وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاءات، وعدة لامات ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس، وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وتكفير بعضهم بعضا، اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي اهـ (¬3).
فضابط المأذون في قراءته ما وافق رسم المصحف، فما خالف رسم المصحف فهو في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن المصحف (¬4).
وأما السبب في اختلاف الناس في القراءات مع أنها على مصحف واحد فيرجع إلى أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل
¬__________
(¬1) المرشد الوجيز لأبي شامة (138، 139)، وفتح الباري (9/ 30).
(¬2) الفتح (9/ 10).
(¬3) المرشد الوجيز (128)، وفتح الباري (9/ 30).
(¬4) المرشد الوجيز (144، 145)، وفتح الباري (9/ 30).