تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، فثبت أهل كل ناحية على ما تلقوه سماعا من الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة، لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة، أو ببعض الحروف (¬1).
فمن أمثلة الاختلاف في النقط قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (¬2)، وقرئ فتثبتوا (¬3)، ونحو (ننشزها) وقرئت (ننشرها) (¬4).
ومن أمثلة الاختلاف في الشكل فقط قوله تعالى: {يُضَلُّ بِهِ} في سورة التوبة في قراءة: حفص، وحمزة، والكسائي، {وَيُضِلُّ} في قراءة الباقين (¬5).
وما كان فيه الاختلاف في النقط كقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} (¬6) فقد قرأ سعيد بن جبير (هل تستطيع ربك).
فالحاصل أن الاختلاف في القراءة كان هذا مرجعه، ولم يكن على سبيل التشهي.
¬__________
(¬1) فتح الباري (9/ 31).
(¬2) سورة الحجرات: آية (6).
(¬3) تفسير الطبري (26/ 123)، قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فتثبتوا) بثاء مثلثة بعدها باء موحدة، بعدها ياء مثناة فوقية، وقرأ الباقون بباء موحدة، وياء مثناة، ينظر الغاية (136)، والنشر (2/ 251)، والسبعة (236)، والكشف (1/ 394).
(¬4) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «ننشرها» بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي (ننشزها)، بالزاي. ينظر السبعة (189) والوافي في شرح الشاطبية (233).
(¬5) الوافي في شرح الشاطبية (282)، ومعاني القرآن للفراء (1/ 437).
(¬6) سورة المائدة: آية (112).