ويتضح هذا بالمقارنة بين مجاهد، وقتادة مثلا.
بل ربما أدى تشدد التابعين في الالتزام برسم المصحف إلى أن يردوا ما لم يوافق الرسم العثماني.
روى البخاري في صحيحه عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام فسمع بنا أبو الدرداء، وأتانا فقال: أفيكم من يقرأ فقلنا: نعم، قال: فأيكم أقرأ فأشاروا إليّ فقال: اقرأ: فقرأت: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) (¬1)، قال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك، قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من فيّ النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء يأبون علينا» (¬2)، فإذا قيل: هل لنا وقد صح عندنا الخبر أن نقرأ (والذكر والأنثى)!، فالجواب: أنه ليس لنا ذلك لأن القرآن يتلقى من الأفواه، بإشارة الحديث السابق (من فيّ صاحبك) (من فيّ النبي)، فعلقمة تلقاها هكذا من فيّ ابن مسعود فله أن يقرأ بها، وأبو الدرداء تلقاها هكذا من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فله أن يقرأ بها.
وأما الآن فلا يوجد من عنده الإسناد المتصل بأخذ الثقة عن فيّ الثقة إلا بما هو موافق للمصحف بالقراءات الواردة على الرسم العثماني المتعددة، فيقتصر في الأداء عليها دون غيرها، ولقد كانت الأوجه كثيرة فيما مضى، لكن اختارت الأمة بعضها فوصل إلينا بالنقل بالشرط المذكور سابقا، فليس لنا أن نقرأ بخلافه، قال الكواشي: كل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل وبني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ (¬3).
¬__________
(¬1) سورة الليل: الآيات (31)، وقراءة في مصحفنا {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى َ}.
(¬2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب (وما خلق الذكر والأنثى)، ينظر الفتح (8/ 707) 4944، وتفسير الطبري (30/ 217)، والسير (4/ 56)، ومختصر في شواذ القرآن (174)، وكتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن (107).
(¬3) فتح الباري (9/ 32).