ثم القراءات السبعة المشهورة المنقولة بالسند الصحيح لا يعني أن كل ما نقل عنهم فهو بهذه الصفة، بل فيه الضعيف لخروجه عن الأركان الثلاثة، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه (¬1).
منهج المدرسة الكوفية:
اشتهرت الكوفة بالقراء الكبار، وبرز منها الكثيرون (¬2)، وقد يرجع ذلك إلى توسع شيخ المدرسة ابن مسعود رضي الله عنه في القراءة، ولا سيما ما يمكن أن نطلق عليه القراءة التفسيرية، أو ما أطلق عليه قراءة على سبيل الاتساع اللغوي.
وقد توسع في ذلك أيضا أبيّ بن كعب، لكن ليس كتوسع ابن مسعود رضي الله عنهم جميعا، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه حريصا على ضبط القرآن وحفظه، ولذا فعند مراجعتنا كتب فضائل القرآن نجد أن جلّ المروي فيها عن ابن مسعود، وفي الكثير منها يحث على حفظ القرآن، وضبطه، والنهي عن الاختلاف فيه، بل كان ينهى عن الاختلاف حتى في القراءات، مع أنه لم يرض بادئ ذي بدء عن جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف زيد بن ثابت (¬3).
ومن أجمع ما نقل عنه في ذلك ما أخبر به علقمة أنه قال: لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم، ثم قال: لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى، ولا يتغير لكثرة الرد، وإن شريعة الإسلام، وحدوده وفرائضه فيه واحدة، ولو كان شيء من الحرفين ينهى عن شيء يأمر به الآخر، كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شيء من شرائع
¬__________
(¬1) فتح الباري (9/ 33).
(¬2) عند مراجعة كتب تراجم القراء الكبار، نجد أن المشهورين من الكوفة هم أكثر قراء الأمصار ينظر في ذلك كتاب الذهبي معرفة القراء الكبار.
(¬3) وسيأتي لذلك مزيد بيان في آخر هذا المبحث إن شاء الله.