المنسوخة كبير أثر، وهذا كله بعد ضبط مصاحف الأمصار، في حين كان أبي بن كعب لا يدع قراءة سمعها، فربما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ، مثل السورتين اللتين أطلق عليهما سورتا أبيّ (¬1). (اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد) والثانية (اللهم إنا نستعينك ونستهديك)، ولأجل ذا قال عمر رضي الله عنه: أقرؤنا أبيّ، وأقضانا عليّ، وإنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} (¬2)، وفي رواية قال عمر: إنا لندع من لحن أبي، وأبيّ يقول: أخذته من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء (¬3).
5 - الترجيح في الأحكام بالقراءة:
اختلاف القراءات قد يؤدي إلى اختلاف الأحكام، ولذلك فإننا نجد أن التابعين ربما اتخذوا منهجا ترجيحيا بالقراءة في مجال الأحكام، ولا سيما الكوفيون الذي اعتمدوا قراءة ابن مسعود، وفيها كثير من التوجيهات الحكمية، حتى إن مجاهدا لما سمعها ذكر أنها لو كانت عنده لما احتاج أن يسأل ابن عباس عن كثير من التفسير.
فمن ذلك ما ورد عن إبراهيم النخعي في مسألة كفارة اليمين حيث قال: في قراءتنا فصيام ثلاثة أيّام متتابعات (¬4)، وهي قراءة ابن مسعود (¬5).
¬__________
1/ 363، والوافي (239).
(¬1) الإتقان (1/ 33).
(¬2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قول: (ما ننسخ من آية أو ننسأها)، ينظر الفتح (8/ 167) 4481.
(¬3) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ينظر الفتح (9/ 47) 5005.
(¬4) سورة المائدة: آية (89) والذي في المصحف بدون لفظ (متتابعات).
(¬5) تفسير الطبري (10/ 561) 12500، والبحر المحيط (4/ 12)، وتفسير القرطبي (6/ 183)، وكتاب مقدمتان في علوم القرآن (233).