كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

صارت القراءات التي تخالف الرسم شاذة لفقدها شرط التلقي بالتواتر، وموافقة الرسم إلا أنه قد وردت الروايات عن شيوخ مدارس التابعين من الصحابة فيها شيء من الترجيح، والتخطئة لبعض القراءات، وهذه الروايات اعتمد عليها بعض المستشرقين في طعنهم في القرآن، وقبل مناقشة هذه الروايات أود أن ألفت النظر إلى عدة قضايا هامة:
القضية الأولى: أن توثيق القرآن جاء بأعلى درجات التوثيق التي عرفها الناس، فالصحابة مع أنهم كانوا حفاظا، إلا أنهم كانوا يعتمدون في التوثيق ما كان مكتوبا، وشهد على كتابته في عهد النبي رجلان فأكثر، ولما شعر عمر بن الخطاب أن هشاما يقرأ بحروف غير التي أقرأها له رسول الله صلى الله عليه وسلم ساوره ولببه خشية على القرآن أن يحرفه أحد، هذا بخلاف حفظ الله سبحانه ووعده بذلك {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬1).
ومما يشهد لدقة الكتابة أنهم كتبوا (قال) بالألف في مواضعها من القرآن إلا في آخر الأنبياء فقد رسمت (قل) (¬2) بدون ألف، ليتمكن من قراءتها على القراءة الأخرى بفعل الأمر، وله نظائر (¬3).
القضية الثانية: ليس ثبوت صحة الرواية فرع عن ثبوت سندها فقط، فقد يصح السند، والحديث شاذ، أو منكر (¬4)، ولذا فإن الروايات التي فيها القول بخطإ الكاتب، أو سيلان المواد، أو أن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهي قليلة، لا يكفي ثبوت سندها أن تكون صحيحة، بل هي منكرة شاذة لمخالفتها ما هو أوثق، وأدق، وأصح.
¬__________
(¬1) سورة الحجر: آية (9).
(¬2) في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلى َ مَا تَصِفُونَ} الأنبياء (112).
(¬3) يراجع في ذلك كتب الرسم العثماني، مثل كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان لابن الأنباري، وينظر بعض الأمثلة لدقة الكتابة وإصلاحها في الإتقان (2/ 240).
(¬4) تدريب الراوي (1/ 238).

الصفحة 772