ثم إن الله تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم، على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب لكونه بلسان عربي مبين.
فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش، لأنه الأولى، وعلى هذا يحمل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود لأن جميع اللغات بالنسبة إلى غير العربي مستوية في التعبير، فلا بد إذا من واحدة، فلتكن بلغة النبي صلى الله عليه وسلم (¬1).
وإذا حققنا النظر وجدنا أن المخالفة للرسم العثماني أكثر ما جاءت عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، فأما أبي فلربما قرأ ما نسخت تلاوته، ولم يبلغه النسخ، وأما ابن مسعود فإنه بقي على الحرف الذي أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ بالرسم العثماني، فلم يوافق على حرق مصحفه بل أخفاه، وأمرهم بأن يغلوا مصاحفهم، أي: يخفونها، ويكتمونها فلا تخرج فتعدم (¬2).
وهذا يحتمل أن يكون ابن مسعود رضي الله عنه رأى خلاف ما رأى عثمان ومن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك. ويحتمل أنه لا ينكر الاقتصار على قراءة واحدة، فإن فيه الاجتماع، وفي عدمه الخلاف، وأراد أن يكون الاقتصار على قراءته هو فيعوّل عليها دون غيرها لما له من المزية في ذلك مما ليس لغيره.
فقد جاء عنه أنه قال: غلوا مصاحفكم، كيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله (¬3).
وقد شق عليه أيضا أنه لم يكتب المصحف فقال: يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت، وإنه لفي صلب رجل كافر يعني زيد بن ثابت (¬4).
¬__________
(¬1) ينظر في ذلك فتح الباري (9/ 27).
(¬2) الفتح (9/ 49).
(¬3) الفتح (9/ 49).
(¬4) رواه الترمذي كتاب التفسير، في تفسير سورة التوبة (5/ 266) 3104.