كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

بالخشية، والعمل (¬1).
والناظر في أحوال الأئمة من التابعين يرى أنهم كانوا شديدين على أهل البدع في مخالفاتهم، في حين كانوا يوجهون كبير عتب إلى من أخطأ من الناس، ولم يكن معروفا ببدعة، يظهر ذلك مثلا في عدم النكير الشديد على مجاهد، وكانت له آراء تخالف الظاهر القرآني، في حين اشتد نكير الأئمة على عكرمة، وطال عتبهم عليه، بل ربما وصم بالكذب لما رمي به من رأي الخوارج.
وعند دراسة منهج التابعين في تناول آيات الاعتقاد نجد أنفسنا مضطرين إلى استعراض أماكن الفرق الموجودة في عصرهم لنستكشف تأثر أو تأثير ذلك في التفسير، فبادئ ذي بدء نجد أن المدينة سلمت من الأهواء، واستقام أهلها على طريقة أئمتهم الخالية من الانحرافات العقدية بسبب كثرة الآثار النبوية، والصحابة، وقلة الفلسفة ولذا كانوا من أشد الناس على أهل البدع، يتبين ذلك من موقفهم الشديد من عكرمة لتلبسه ببعض أقوال الخوارج (¬2).
وكذلك كان حال مكة، إلا ما كان من بعض اجتهادات مجاهد التي كانت تخالف الظاهر من الآيات، وهي قليلة. وبالجملة فقد سلمت مدرستا الحجاز من الوقوع في أقوال أهل الأهواء، في حين وقع ذلك في مدرستي العراق، وهما وإن كانتا في أرض واحدة إلا أنهما تباينا في ذلك أيضا، فالكوفة وقع بها الإرجاء، والتشيع، في حين كانت البصرة تعاني من فكر الخوارج، وبدعة القدرية، ولم يكن فيها شيء من الرفض، حتى إن بعضهم شبههم بأهل الشام الذين كان فيهم عداوة شديدة للشيعة، فها هو حماد بن أبي سليمان لما رجع إلى الكوفة وكان قد زار البصرة، يسأله الناس:
¬__________
(¬1) تفسير الطبري (1/ 224) 267، 268، 270، 271.
(¬2) ينظر ترجمة عكرمة ص (162).

الصفحة 782