كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

كان السلف يرون متابعة الصحابة والتابعين، الذين لم يختلفوا في مسائل الأسماء والصفات، وإنما وقع الخلاف بينهم في الأحكام والعبادات، ولذا كثرت الأسئلة في هذا الباب عنه في باب الأسماء والصفات (¬1).
ويخطئ بعض من يتوهم أن السلف لم يتكلموا في الاعتقاد وإنما كانوا يفوضون ذلك، وهذه مقولة من لم يعرف السلف وعلمهم، فإن القوم ما تكلموا فيما تكلموا فيه إلا عن اجتهاد، وما سكتوا عما سكتوا عنه إلا عن علم، ولكن لم تكن البدع قد فشت، فكلما ظهرت بدعة، تصدى العلماء للرد عليها، ومن أراد التأكد من ذلك فلينظر إلى تلاميذ التابعين ومن بعدهم، وموقفهم من الجهمية لما ظهرت في زمانهم، وكيف كان اشتدادهم عليهم، حتى قال ابن المبارك عنهم: إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى، ولا نحكي أقوال الجهمية وجعلهم ليسوا من أئمة محمد من الثنتين والسبعين فرقة.
فالمقصود أن السلف ما توقفوا عن الخوض إلا عن علم (¬2) وما زال أهل الحديث والأثر يرون متابعة الصحابة والتابعين في هذا الباب لأنهم كما يقول ابن خلدون في مقدمته: غلّبوا أدلة التنزيه لكثرتها، ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها، ولم يتعرضوا لمعناها ببحث (¬3) ولا تأويل.
وهذا كلام سديد باعتبار أن السلف لم يبحثوا في الكيفية، ولم يصرفوا المعنى الظاهر من الآيات عن ظاهره، مع اعتقادهم التنزيه.
فها هو سعيد بن جبير يبين معاني التنزيه في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (¬4) فيقول:
¬__________
(¬1) يراجع كلام المقريزي في الخطط (4/ 181180).
(¬2) يراجع في ذلك مقدمة كتاب مختصر العلو للشيخ الألباني (103).
(¬3) التعرض بالبحث للمعني هو تعرض للكيفية، وإلا فالسلف كانوا يثبتون المعاني كما سيأتي.
(¬4) سورة الصمد: آية (1).

الصفحة 786