غيرهم، فمن ذلك أن قتادة كان إذا قرأ هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} (¬1)، قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبائية، فلا أدري من هم! ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذي شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار خبر لمن استخبر، وعبرة لمن استعبر، لمن كان يعقل أو يبصر.
إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة، والشام، والعراق، وأزواجه يومئذ أحياء. والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط، ولا رضوا الذي هم عليه، ولا مالئوهم فيه، بل كانوا يحدّثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، ونعته الذي نعتهم به، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم، ويعادونهم بألسنتهم، وتشتد والله عليهم أيديهم إذا لقوهم. ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع، ولكنه كان ضلالا فتفرّق. وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافا كثيرا. فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويل (¬2).
فهل أفلحوا فيه يوما أو أنجحوا يا سبحان الله! كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم لو كانوا على هدى، قد أظهره الله وأفلجه ونصره. ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه. فهم كما رأيتهم كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم، وأكذب أحدوثتهم، وأهراق دماءهم. إن كتموا كان قرحا في قلوبهم، وغما عليهم.
وإن أظهروه أهراق الله دماءهم. ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه. والله إنّ اليهودية لبدعة، وإن النصرانية لبدعة، وإن الحرورية لبدعة، وإن السبائية لبدعة، ما نزل بهن كتاب، ولا سنّهن نبي (¬3).
وقتادة متأثر في ذلك بالصحابة، فهذا سعد بن أبي وقاص يفسر قوله تعالى:
¬__________
(¬1) سورة آل عمران: آية (7).
(¬2) ألاص فلانا على هذا الأمر: أداره على الشيء الذي يريده.
(¬3) تفسير الطبري (6/ 187) 6603.