وأبلغ من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى َ أَوْ عَلى َ سَفَرٍ} (¬1)، فقد سئل الشعبي عن المجدور تصيبه الجنابة، فقال: ذهب فرسان هذه الآية (¬2).
وقد رأيت أن الكوفيين تغلب عليهم مدرسة الرأي، فهم يراعون فيما يفسرونه علة الحكم، ويبنون الحكم عليها، فمن ذلك، ما جاء عن النخعي في تفسير قوله تعالى:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (¬3)، فقد سأله الشعبي لم لا تقبل شهادته فقال: لأني لا أدري تاب أم لا (¬4).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (¬5)، قال إبراهيم: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عرة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي (¬6).
ويعتبر البصريون أكثر التزاما في اعتماد الآثار في تفسير آيات الأحكام، ولا سيما قتادة لحافظته، والغالب أنهم لا يسندونها بل يرسلونها كما هي عادتهم، والملاحظ أن الحسن أجرأ على فتيا الناس في مسائل النكاح والطلاق لتصدره للعامة، في حين قلّ أن يتعرض قتادة لذلك، أو لغيره من دقيق الفقه.
جاء في تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (¬7)، قال قتادة: هؤلاء المهاجرين تركوا الديار، والأموال، والعشائر، وخرجوا حبا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدة حتى لقد ذكر لنا أن
¬__________
(¬1) سورة النساء: آية (43).
(¬2) تفسير الطبري (8/ 387) 9578.
(¬3) سورة النور: آية (5).
(¬4) تفسير الطبري (18/ 77).
(¬5) سورة البقرة: آية (220).
(¬6) تفسير الطبري (4/ 355) 4199، 4200، والعرة: القذر وما يتجنبه الناس.
(¬7) سورة الحشر: آية (8).