كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وهذا كله منهم مراعاة للعرف في وقتهم، مما دلّ على اعتمادهم عليه حجة في مثل هذا، والله أعلم.

11 - الاستنباط من اللغة وعادات العرب وأسباب النزول:
لم يغفل التابعون اللغة عند استنباطهم الأحكام الشرعية من القرآن، وهذا أمر بدهي، لأن القرآن نزل بلغة العرب، فمن لم يعرفها فكيف يمكن أن يفهم المراد من الأوامر والنواهي (¬1)
إلا أنني رأيت أنهم لم يغفلوا أيضا أسباب النزول، وعادات العرب في الجاهلية، فوضعوها نصب أعينهم حتى يتعرفوا على الأحكام من خلالها (¬2).
فمن ذلك ما جاء في آيات الحج في سورة البقرة قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (¬3)، وأنه لما كان الله تعالى قد منع الجدال في الحج، وكانت المعاملات التجارية تفضي إلى الجدال والمخاصمة، كانت التجارة مظنة المنع، وأيضا لما حظر لبس المخيط والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنة الحظر، فمن أجل ذلك قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (¬4) فإذا قيل:
فإن الفعل المذكور في الآية نكرة يمكن أن يحمل على الفعل الشرعي، كالاستزادة من الصلاة، أو الصيام، وقراءة القرآن في الحج، فما الذي يجعلنا نقصره على التجارة ونحوها علما أن هذا خروج بالعموم من عمومه (¬5).
¬__________
(¬1) ومن ذلك ما مرّ من اختلافهم في معنى القرء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}.
(¬2) مرّ بيان ذلك ص (773).
(¬3) سورة البقرة: آية (198).
(¬4) تفسير آيات الأحكام لمحمد علي السائس (1/ 108).
(¬5) سبق أن الراجح عند الأصوليين أن النكرة في سياق النفي تعم.

الصفحة 870