كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

فالجواب ما نجده عند مجاهد، وقتادة، والربيع، فقد بينوا لنا سبب نزول الآيات وذلك أن العرب كانوا يحجون، ولا يتجرون، ويتحرجون من التجارة في الحج، فنزلت هذه الآية (¬1)، فصار سبب النزول معينا على فهم معنى الآية، وكما يظهر فلا معرفة لنا به إلا إذا كنا على علم بعادات العرب في الجاهلية.
وفي قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (¬2)، نجد أنفسنا بين أمرين:
الأول: أن تكون الإفاضة المذكورة من عرفات.
الثاني: أن تكون الإفاضة هي الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس، وقد استشكل كل من الأمرين.
أما بالنسبة للأول فلأن الله قال قبل ذلك: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} وهنا قال:
{ثُمَّ أَفِيضُوا}، والمعروف أن الإفاضة واحدة.
وأما بالنسبة للثاني فلأن (حيث) للظرفية المكانية، والقول الثاني يدور حول الإفاضة قبل طلوع الشمس أي الزمانية، ثم لفظ (الناس) من أسماء الأجناس التي تدل على العموم.
وبسبب هذا الإشكال في فهم الآية نجد أئمة التابعين يرجعون في فهمها إلى عادات العرب، فيوردون سبب ذلك وهو أن قريشا كانت تقول: نحن الحمس، أهل الحرم، ولا نخلف الحرم، ويبقون في مزدلفة، فأمروا أن يبلغوا عرفة، جاء هذا عن مجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع، وغيرهم (¬3).
وبذلك عرفنا أن المراد هو الإفاضة من عرفات، ثم بعد ذلك يسهل توجيه
¬__________
(¬1) تفسير الطبري (4/ 169162) 3787378137773762.
(¬2) سورة البقرة: آية (198).
(¬3) تفسير الطبري (4/ 187) 38393835.

الصفحة 871