الإشكال بأن تكون (ثم) بمعنى الواو، أو أن (ثم) للترتيب الذكري، أو أن (ثم أفيضوا) معطوف على قوله: (واتقون)، وقد أجاز بعضهم أن تكون هذه الآية متقدمة على تلك، ولكنه مجرد احتمال (¬1).
وفي قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} (¬2).
نجد في هذه الآية الأمر بالذكر، والذكر قد يكون عاما فيشمل كل ما دل عليه اسم الجنس هذا، وقد يخصص فيكون المراد التكبير بعد الصلاة في يوم النحر، وأيام التشريق، لأنه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر، وقد يكون المراد غير ذلك. ولذا نجد أئمة التفسير يرجعون في استنباط الحكم من الآية إلى عادات العرب التي أشارت الآية إليها {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}.
وهي أن القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم كانوا يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالثناء، والشكر والتعظيم لربهم، وقوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} أي (بل) أشد ذكرا، وجاء هذا المعنى عن مجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم (¬3).
فتكون الآية تربية لهم لتحويلهم عن هذه العادة القبيحة، فإن الأرضى بكم وقد أنعم الله عليكم بشهود الحج أن تشغلوا بذكر الله لا بذكر آبائكم، يعني توافروا على ذكره، كما كنتم تتوافرون على ذكرهم، بل هذا أولى، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا (¬4).
¬__________
(¬1) انظر هذه الأجوبة في تفسير آيات الأحكام للسايس (1/ 110)، وقد أجاب على الإشكال الثاني بأن (حيث) يمكن أن تكون للتوقيت بالمكان، كما أنها للتوقيت بالزمان.
(¬2) سورة البقرة: آية (200).
(¬3) تفسير آيات الأحكام للسايس (1/ 111).
(¬4) تفسير الطبري (4/ 187)، الآثار 38393835.