كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

ولذا فلما أمر الله بالذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال، ويتركوا غيره: فقال: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (¬1).

12 - موقف التابعين من إطلاق الأحكام التكليفية:
المقصود بالأحكام التكليفية: الأحكام الخمسة التي هي الفرض، والمستحب، والمباح، والمكروه، والحرام.
وذهب بعض أهل العلم إلى زيادة الواجب، وهم الحنفية الذين جعلوا الفرض ما يثبت بالقرآن والمتواتر، والواجب ما ثبت بخلاف ذلك (¬2) وإلا فإن الصحابة، وأئمة التابعين، لم يكونوا يفرقون بينهما، وعلى ذلك الجمهور، وإليه ذهب الحنفية أيضا أي: التفريق بين المكروه تحريما، والمكروه تنزيها، وجعلوا كراهة التحريم أقل مرتبة من الحرام (¬3).
وأما كراهة التنزيه فهي لا تنافي الإباحة، هذا ما استقر عليه القول في الأحكام التكليفية (¬4).
وقد لاحظت أن أئمة التابعين لم يكونوا يطلقون الأحكام التكليفية (الحرام) أو (الوجوب) إلا فيما كان فيه الدليل قطعيا، ولذا فمع استقرائي لاستنباطاتهم الحكم من آيات الأحكام لم ألحظ لهم قولا شاذا يطلق التحريم أو الإيجاب في مسائل الاجتهاد، بل كانت أقوالهم وفتاواهم تدور حول أمري (يعجبني)، (لا ينبغي) ونحو ذلك،
¬__________
(¬1) سورة البقرة: آية (202201).
(¬2) يراجع في ذلك فواتح الرحموت (1/ 58)، وشرح الكوكب المنير (1/ 345).
(¬3) ينظر فتح الباري (2/ 363) 559 (3/ 318).
(¬4) فواتح الرحموت (1/ 58).

الصفحة 873