وقيل: المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن، والحديث الصحيح، وقيل:
المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع، أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية، فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد.
وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى:
حدثوا عن بني إسرائيل مما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه (¬1).
ثم ذكر ابن حجر بعض أحاديث المنع فقال: قال ابن بطال عن المهلب: هذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نص فيه لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص، ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم من الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة، وأما قوله تعالى: {فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}، المراد به: من آمن منهم، والنهي إنما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم، ويحتمل أن يكون الأمر مختصا بما يتعلق بالتوحيد والرسالة المحمدية، وما أشبه ذلك، والنهي عما سوى ذلك (¬2).
تقرر من ذلك أن الإذن بالتحديث هو الرافع المبيح، فالمعلوم أن أحاديث أهل الكتاب فيها كذب كثير، وهذا كما جاء في كلام مالك والشافعي، مما لا تحل روايته.
وكذلك عندهم ما لا يتوقف ثبوت ديننا عليه مما جازت روايته، فهل تكفي الرواية دون التمحيص! والجواب أن ما لم يعلم كذبه، ولا صدقه، فالأصل فيه الإباحة
¬__________
(¬1) فتح الباري (6/ 499498).
(¬2) الفتح (13/ 334).