جماع أعذار المفسرين في النقل عن بني إسرائيل:
سبق بيان أقوال أهل العلم في جواز الرواية عن بني إسرائيل فيما لا يعلم كذبه، وذلك للاستشهاد لا للاعتقاد، ومع ذلك فقد وجدنا في بعض ما نقل إلينا ما لا يصلح أن يعتمد عليه ولو في الاستشهاد.
والمطالع لأحوال التابعين يجدهم يروون الآثار دون حرج يذكر ممن يرويها، وأعتقد أن الحساسية الموجودة اليوم من مجرد الرواية للإسرائيليات لم تكن موجودة بمثل هذا التحرج الموجود اليوم، فالتابعون كانوا يوردون الإسرائيليات للاستشهاد لا للاعتقاد، ولذلك فإن القصة التي تنقلها هذه الرواية لا يعتمدون عليها، بل يذكرونها لكونها حدثا تاريخيا مثلا يوضح شيئا من المراد من تلك القصة، ولا يؤدي هذا بهم إلى تصديقها مع الأثر الوارد: «لا تصدقوا أهل الكتاب».
وثمة عذر آخر، وهو أنهم تركوا لمن بعدهم فرصة التعرف عليها وبيان سقيمها من صحيحها.
قال الطوخي: إنهم دونوا كثيرا من الإسرائيليات لما يظنون به أن له نفعا لتبيين بعض النواحي في أنباء القرآن الكريم من معارف عصرهم المتوارثة من اليهود وغيرهم، تاركين أمر غربلتها لمن بعدهم من النقاد حرصا على إيصال تلك المعارف إلى من بعدهم لاحتمال أن يكون فيها بعض فائدة من إيضاح مجمل، لا لتكون حقائق يراد اعتقادها، والأخذ بها على علاتها دون تمحيص، فلا تثريب على من دون الإسرائيليات بهذا القصد.
¬__________
عنهم بالشرط المذكور وهو عدم التصديق، أو التكذيب فيما لا يعلم كذبه، وسيأتي أن ابن عباس كان ينهى عن الحديث عنهم، في حين حدث عنهم مما يبلغ قرابة الثلاثمائة وخمسين رواية. والله أعلم.