ولعل السبب في هذا الاختلاف عن ابن عباس أنه كان يحذر لئلا يسأل من ليس بأهل فيقع في شك، أو حيرة، في حين أن العالم المتمكن الذي لا يخشى عليه من ذلك له أن يسأل مستفيدا من الرخصة، ثم إن ظاهر كلامه أنه يخاطب غير أهل مكة لأن مكة لا يدخلها غير مسلم، وهو يقول: (والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم).
والحاصل أن ابن عباس توسع في الرواية عن بني إسرائيل فتبعه أصحابه في ذلك، ولا سيما مجاهد.
ومن الأدلة الواضحة على توسع المدرسة المكية أننا نرى القادمين إليها قد تأثروا بها، وتوسعوا في الرواية عن بني إسرائيل تبعا لتوسع أئمة المدرسة المكية، فعلى سبيل المثال نرى أبا العالية الذي تأثر بالمنهج المكي من أكثر البصريين رواية لها، وبدا هذا واضحا في سلوك تلميذه الربيع
وكذلك من الكوفيين سعيد بن جبير والسدي، أكثروا من الروايات تأثّرا بمكة. في حين كانت المدرستان العراقيتان تتقيان هذا النمط، حتى إن الكوفيين قد انتقدوا تفسير مجاهد بسبب كثرة أخذه عن أهل الكتاب.
2 - لقاؤهم كعب الأحبار:
لا شك أن وجود رجل مثل كعب بين ظهراني تابعي المدرسة المكية، وسؤال ابن عباس له، كان له الأثر القوي في كثرة الرواية عن أهل الكتاب في هذه المدرسة.
3 - الوسط المكي الذي لا يوجد به يهود، فمكة لا يدخلها اليهود، لذا لم تكن ثمة حساسية في الرواية عن أهل الكتاب، في حين كان الحذر والحيطة في المدينة شديدين.
وقبل أن أختم الحديث عن المدرسة المكية أقف وقفة مع عكرمة، وعطاء، فمع حرصهما على الرواية عن شيخ المدرسة ابن عباس فقد كانت رواياتهم بعامة عن بني
إسرائيل قليلة.