كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

الذين يكتبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسان يجربونه، اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان بينهم، وكانت خالة مريم تحته، فلما أتوا بها اقترعوا عليها، قال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، تحتي أختها! فأبوا، فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية، وذلك قول الله عز وجل: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} (¬1) فجعلها زكريا معه في بيته، وهو المحراب (¬2)، وبنحوه جاء الأثر عن عكرمة (¬3).

7 - الترجيح:
ومن النتائج التي ترتبت على الأخذ عن أهل الكتاب أن صار بعض المفسرين يرجح بين الأقوال المحتملة بما روي من الإسرائيليات، فمن ذلك ما ورد في المحاورة بين الحسن وتلميذه قتادة في قوله تعالى: {وَنَادى َ نُوحٌ ابْنَهُ} (¬4).
وكان الحسن يرى أنه ليس ولده لصلبه، فاحتج عليه قتادة بأن أهل الكتاب لا يختلفون في أنه ولده لصلبه، فكأنه يرى ذلك مرجحا، ولم يرتض ذلك الحسن، وأنكر قائلا: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب (¬5).
ومن الترجيح ما ورد عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} (¬6)، فقد أنكر مجاهد نزول المائدة حقيقة مخالفا ظاهر الآية، وجعل سبب الترجيح أن أهل الكتاب لم يرد عندهم فيها شيء، وهذا مما تقوم الدواعي على نقله، فلما لم ينقل عنهم، رأى مجاهد أن القول بعدم نزولها هو الأولى بالقبول (¬7).
¬__________
(¬1) سورة آل عمران: آية (37).
(¬2) تفسير الطبري (6/ 349) 6904، وسنن البيهقي (10/ 286)، وزاد المسير (1/ 379).
(¬3) تفسير الطبري (6/ 351) 6909.
(¬4) سورة هود: آية (42).
(¬5) انظر ص (232) من هذا البحث.
(¬6) أي المائدة، وانظر سورة المائدة: آية (115).
(¬7) سبق في ترجمة مجاهد ص (94).

الصفحة 906