كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

والحق أن هذا الكلام نفيس ودقيق لأن كعبا كما قال الذهبي: له تلك الروح في رواياته.
ولأجل ذلك نجد أهل مكة ومفسريها تأثروا به تأثرا واضحا، وخاصة أن شيخهم تساهل في النقل عنه، فكان المكيون من أكثر مفسري التابعين رواية للإسرائيليات، ومع تقدم كعب وكونه أدق وأحسن إيرادا للروايات من وهب وغيره، إلا أن مما يعكر على ذلك ما رواه البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (¬1).
وقوله: (لنبلو) أن نختبر، قال الحافظ في الفتح: «أي يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به، ثم نقل عن ابن العتيق قوله: قال: والمراد بالمحدثين أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم فكان يحدث عنهم، وكذا من نظر في كتبهم فحدث عما فيها.
قال: ولعلهم كانوا مثل كعب، إلا أن كعبا كان أشد منهم بصيرة وأعرف بما يتوقاه، وقال ابن حبان: أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به، ولم يرد أنه كان كذابا.
وقال غيره: الضمير في قوله: (لنبلو عليه) للكتاب لا لكعب، وإنما يقع في كتابهم الكذب لكونهم بدلوه، وحرفوه.
وقال عياض: يصح عوده على الكتاب، ويصح عوده على كعب، وعلى حديثه،
¬__________
(¬1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء. (3/ 334)، وينظر تاريخ أبي زرعة (1/ 545).

الصفحة 910