قيمة تفسير التابعين رواية: هذا الفصل يعد من أدق الفصول مسلكا، وأكثرها أهمية لأنه يتعلق بصحة، أو ضعف تفسير التابعين، فهل أكثره صحيح أو ضعيف وقبل الإجابة عن هذا السؤال أود أن ألفت الانتباه إلى ما يلي:
أولا: إن الإسناد الصحيح يعطي إشارة إلى صحة القول المنقول بهذا الإسناد غالبا، لكن ليس بالضرورة أن يكون الإسناد الذي لم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن، دليلا قاطعا على عدم صحة القول المنقول بهذا الإسناد، فعلى سبيل المثال تكرر عند أهل العلم قولهم: إن طاوسا أعلم الناس بأحكام معاذ، وسعيد بن المسيب أعلم الناس بقضاء عمر، وعلي بن أبي طلحة أعلم الناس بتفسير ابن عباس، وهؤلاء التابعون لم يتحملوا عن أولئك الصحابة، ولذا فلا بد من النظر الشامل للروايات، لا الحكم على رواية بمفردها.
ثانيا: نبهت في المقدمة إلى أن أغلب اعتمادي كان على تفسير ابن جرير الطبري، فقد أكثر النقل عن التابعين، وانتقى الأسانيد حتى زادت على نصف الكتاب، فهي غالب مادة تفسيره، واعتمدها في الترجيح والموازنة، ولم ينبه إلا في مواطن يسيرة جدا على ضعف إسناد أو نكارة آخر، وكذا كان غالب فعل المحقق الشيخ أحمد شاكر، مع أن بعض الأسانيد بمفردها لا تخلو مما يفت في عضدها، وليس الكثير منها في فضائل الأعمال، وكذا كان اعتماد العلماء ممن جاء بعد التابعين في مختلف الفنون، كما تجيء الإشارة إليه في الفصل القادم، فكان لي أسوة بهؤلاء.
ثالثا: إن هذه الرسالة قد أخذت مني جهدا كبيرا مضنيا في الجمع والاستقراء، والبحث، والترتيب، استمر خمس سنوات، فلو انشغلت بتتبع إسناد كل أثر مع تتبع شواهده ومتابعاته لاحتجت عدة سنوات أخرى، وأظن أن النتيجة الكلية للبحث لن تختلف عن النتائج التي توصلت إليها.