رابعا: لقد حظي تفسير التابعين بميزة (روائية) لم أرها لغيرهم، ألا وهي كثرة الأسانيد في تفسير الآية عند أحدهم، وكثرة الشواهد والمتابعات للرواية الواحدة، مما يجبر ضعف أحدها إن كان ضعيفا، وخاصة المروي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، وهذا ما سيأتي بيانه قريبا في هذا الفصل.
خامسا: لقد تتبعت الأسانيد الواردة عن التابعين من طريق تابع التابعين، فوجدت أغلبها أسانيد مستقيمة وهي أعلى في الجملة من الأسانيد المروية عن غيرهم من الصحابة، بل المروية في التفسير النبوي، وهذا ما سيأتي بيانه.
فهذه الأسباب وغيرها كانت وراء اكتفائي في الاعتماد في هذه الدراسة على المنقول عنهم دون التحقق من صحة أو ضعف الإسناد (¬1).
وفيما يلي دراسة لقيمة المروي عنهم رواية فيما ظهر لي من تتبع الروايات والآثار من خلال عدة نقاط:
1 - الحجم الكبير للآثار المنقولة عن التابعين:
لقد حظي التفسير بالمأثور بميزة ميزته عن غيره، وهي كثرة الأسانيد الواردة فيه، فلا تكاد تمر بتفسير كلمة من آية إلا وتجد معها إسنادها، وهذا بدوره يعطينا صورة واضحة للجهود التي بذلت لحفظ كتاب الله وحفظ تفسيره، وإن كان بعض هذه المؤلفات في التفسير قد حوى أقوالا مختلفة، وآثارا متفاوتة لأن أصحابها كانت همتهم مدفوعة إلى التدوين والجمع أكثر من النقد (¬2)، إلا أن منهم من اهتم بنقدها وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، ورجح بينها واختار كابن جرير الطبري، وابن
¬__________
(¬1) أما المسائل التي ينبني عليها اعتقاد، أو حكم، يتوقف على صحة الإسناد، فإنني لا أغفل دراسة الإسناد، وقد لا أسجل ذلك في البحث إن كانت دراسة الإسناد لم تعط نتيجة مغايرة لما توصلت إليه، وسبق شيء من هذا في مبحث منهجهم في آيات الاعتقاد، والقراءات، وغيرها.
(¬2) ينظر دراسات في التفسير وأصوله لبلتاجي ص (36).