وأما الأسانيد عن ابن مسعود: فلم تكن بأحسن حالا على قلتها، فلقد كان التفسير المنقول عنه قليلا وذلك لأن أصحابه النقاد كانوا على رهبة من التفسير فلم ينقلوا عنه كثيرا، وجاء أكثر تفسيره من طريق مرة عنه، ومرة تابعي ثقة من كبار التابعين، إلا أن أكثر من روى عنه هو السدي، وتفسير السدي يرويه لنا أسباط بن نصر، وأسباط وإن كان من رجال مسلم إلا أنه متكلم فيه من جهة حفظه، ولذا لا نعجب أن يقول ابن كثير على هذا الإسناد: إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة (¬1).
وقال الإمام أحمد عن السدي: إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادا واستكلفه (¬2).
ولذا فإن النفس تطمئن لصحة الروايات التي جاءت عن السدي من قوله، أكثر من اطمئنانها إلى ما رواه بإسناده عن ابن مسعود، أو غيره، والله أعلم.
الطرق التي رويت بها آثار التابعين:
وإذا نظرنا إلى الطرق والآثار التي نقلت إلينا بها أسانيد التابعين، فإننا لا نجدها كذلك على قدر واحد من القوة والضعف، إلا أننا نجدها في مجموعها أقوى وأصح من تلك التي رويت عن الصحابة، وفيما يلي بيان لأشهرها:
¬__________
(¬1) ينظر تعليق الأستاذ أحمد شاكر على تفسير الطبري (1/ 158) حيث قال: ثم إن جلّ المروي عن الطبري من طريق مرة جاء من طريق أسباط عن السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن جرير: لست أعلمه صحيحا، إذ كنت بإسناده مرتابا، قال شاكر معلقا على ما قاله ابن جرير: وحق لأبي جعفر أن يرتاب في إسناده، فإن هذا الإسناد فيه تساهل كثير، من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة في سياق واحد إلخ ما قال، ينظر تفسير الطبري (1/ 348) (1/ 354).
(¬2) شرح علل الترمذي لابن رجب (351)، وتهذيب التهذيب (1/ 314).