كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

المبحث الأول نوع الخلاف بين مفسري التابعين
بعد أن استعرضنا قيمة تفسير التابعين رواية، وتبين لنا الأثر الواضح الذي تركه تفسيرهم في هذا الجانب كان لزاما أن أوضح هنا أن الأمر لم يقتصر على مجرد الروايات فحسب، بل أن لتفسيرهم قيمة علمية سامية، ومنزلة عالية، فإذا علمنا أن الاختلاف بين التابعين لم يكن ذلك الاختلاف الموجود عند من جاء بعدهم من التنازع والتشاحن، واتضح لنا أن تفسيرهم تميز بميزات ليست لغيره من أنواع التفاسير بعد ذلك لبيان منزلتهم، وقيمة تفسيرهم عند أهل العلم، رحم الله الجميع.
الأصل في تفسير القرآن الكريم أنه يرجع كله إلى قول واحد (¬1)، وإن بدا في أول الأمر خلاف ذلك، ويدل لذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} (¬2).
فنفى الله عز وجل أن يقع فيه اختلاف البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق هذا الكلام بحال.
وأيضا فإن قوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (¬3)
صريح في رفع التنازع، والاختلاف. ولا يرتفع الخلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع، وهذا باطل (¬4).
¬__________
(¬1) أي فليس من مقاصد الشرع وضع حكمين متخالفين في موضوع واحد.
(¬2) سورة النساء: آية (82).
(¬3) سورة النساء: آية (59).
(¬4) الموافقات (4/ 118).

الصفحة 943