أحدهما ابن عباس، والآخر تلميذه مجاهد بن جبر.
فمع أن مجاهدا كان من أكثر تلاميذ ابن عباس تلقيا وأخذا عنه، فإنه كان ذا شخصية متميزة في التفسير، كما حدث هو عن نفسه، فقال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف نزلت وكان من حرصه رحمه الله أن كان يكتب ما يأخذه عنه، يقول ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال:
حتى سأله عن التفسير كله.
والمفترض والحالة هذه أن يكون الاتباع، والاقتداء بمنهج شيخه وتفسيره هو الغالب عليه، وأن يحذو حذوه، إلا أننا وجدنا شخصيته المتميزة، وتفرده المستقل، واضحا بينا في تفسيره، فنجد أن له العديد من الأمثلة التي أورد فيها معاني مخالفة لما قاله شيخه (¬1)، فمن ذلك ما ورد عنه في قوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} (¬2)، قال:
مسلمة من الشية، لا بياض فيها، ولا سواد (¬3).
في حين قال شيخه ابن عباس: لا عوار فيها (¬4).
وعند قوله تعالى: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ}
¬__________
(¬1) المراد اختلاف التنوع، وليس اختلاف التضاد، وإن كان ورد عنه هذا النوع أي اختلاف التضاد، لكنه كان من القليل النادر، فمن ذلك ما ورد عنه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} سورة البقرة: آية (65)، قال: مسخت قلوبهم، في حين قال ابن عباس: إنهم مسخوا. سبق بيان ذلك في ترجمة مجاهد ص (93).
(¬2) سورة البقرة: آية (71).
(¬3) تفسير الطبري (2/ 213) 1255، 1256، 1257، والدر المنثور (1/ 191)، وفتح القدير (1/ 99).
(¬4) تفسير الطبري (2/ 214) 1262.