كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وأحيانا يكون اجتهاد مجاهد أقرب للمراد من عبارة شيخه التفسيرية.
ففي قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} (¬1) فسرها ابن عباس ب (الناظرين)، إلا أن مجاهدا لم يتابعه على ذلك، وفسرها ب (المتفرسين)، وهو معنى أخص وأدق، تؤيده اللغة، يقال: توسمت في فلان حتى إني رأيت فيه أثرا منه (¬2).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} (¬3)، قال مجاهد: عتيا، يعني نحول العظم، في حين قال ابن عباس: عتيا يعني الكبر (¬4).
قال ابن كثير: والظاهر أنه أخص (¬5).
وقد يكون الخلاف في تفسير الآية أكثر تباينا بين الصاحب، والتابعي، وقد يكون قول التابعي أصوب فيها، فمن ذلك في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} (¬6)
قال ابن عباس: أرذل العمر، وقال مجاهد: إنه النار، وصوبه ابن القيم (¬7). والأمثلة على ذلك كثيرة، ومتنوعة.

4 - بدء عصر التدوين للتفسير، وعلومه:
يعد عصر التابعين بداية عصر التدوين إذ لم يدون التفسير في عصر الصحابة، وقد ظهر ذلك في كتابات سعيد بن جبير، كما كان مجاهد يسأل ابن عباس، ومعه
¬__________
(¬1) سورة الحجر: آية (75).
(¬2) معاني القرآن للنحاس (4/ 35)، وزاد المسير (4/ 409)، والدر المنثور (5/ 90)، وفتح القدير (3/ 139).
(¬3) سورة مريم: آية (8).
(¬4) معاني القرآن للنحاس (4/ 310)، وزاد المسير (5/ 211)، والدر المنثور (5/ 479، 482).
(¬5) تفسير ابن كثير (2/ 112).
(¬6) سورة التين: آية (5).
(¬7) أقسام القرآن لابن القيم (29)، والدر المنثور (8/ 554)، وفتح القدير (5/ 465).

الصفحة 960