كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

لقد وجد أهل كل فن مطلبهم عند التابعين، فأهل اللغة والغريب اتخذوا الحسن والشعبي وغيرهما منارات لهم، وأهل الفقه تتلمذوا على ابن المسيب، وعطاء، والنخعي، وأهل التفسير كان لمجاهد، وعكرمة، وقتادة والحسن، قدم السبق، والصدق فيه، كذلك فقد ظهر أثر التابعين في الرواية كما، وكيفا، أما الكم فيكفي أن نعلم أن بعض العلوم كان للآثار عن التابعين فيها النصيب الأوفى، ومن ذلك ما سيأتي
تفصيله من أن نحوا من ثلثي التفسير بالمأثور كان عن التابعين.
وأما كيفا، فإن المطالع لحال أتباع التابعين يجد أن دورهم في الغالب اقتصر على الرواية، والنقل، وليس عندهم إلا قليل من الدراية، بل بدأ هذا التراجع في الدراية عند صغار التابعين كالربيع، والسدي، إلا أن دورهم أخذ صبغة أخرى، وهي أن صغارهم جمعوا الآثار وصنفوها، ويعد السدي من أوائل من جمع التفسير، وكتبه وجعله في مصنف واحد (¬1).

منزلتهم في التفسير:
صار الأئمة من المفسرين الذين اهتموا بالتفسير يعتمدون مرويات التابعين ويرجحون بها، ولذا نجد الإمام الطبري كثيرا ما يرجح بأقوالهم فيقول: (وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة، والتابعين)، بل أثر تفسيرهم على الطابع العام لبعض التفاسير المتأخرة، فقد قلت الإسرائيليات مثلا عند مفسري المغاربة لاعتمادهم تفسير الحسن، وقتادة (¬2).
وأيضا مما قلل القبول لبعض الكتب من التفاسير المشهورة مع تقدم مؤلفيها في علم التفسير، قلة عنايتها بتفسير الصحابة، والتابعين، كتفسير ابن عطية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وتفسير ابن عطية وأمثاله، أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن
¬__________
(¬1) ينظر حاشية الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري (1/ 158)، وتاريخ التراث (1/ 77).
(¬2) لما رحل يحيى بن سلام، واستقر في المغرب، انتشر تفسير الحسن وقتادة، فكان تفسيرهم من أهم المأثور الذي وصل إليهم، وكان مما ميّز الحسن وقتادة قلة روايتهم للإسرائيليات، مما أثر بدوره على مفسري المغرب الإسلامي، بخلاف مفسري المشرق.

الصفحة 969