كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وقد تتلمذ الشافعي على سفيان بن عيينة، ويعتبر ابن عيينة من المكثرين عن مجاهد في التفسير، وكان الشافعي من أكبر الصحابة المكثرين عنه، ولذا فلا نعجب عند ما يقول: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز (¬1) (يعني على ما أبقوه من علم مجاهد وأضرابه).
وقد كثرت موافقات الشافعي لمجاهد في التفسير، فعند قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (¬2)، قال مجاهد: قبلة الله، ولم نجد من وافقه على ذلك إلا الشافعي، فقال بنحو ما قال (¬3).
ولما فسّر مجاهد الرعد والبرق فقال: الرعد ملك، والبرق أجنحته يسقن السحاب، قال الشافعي: ما أشبهه بظاهر القرآن، يعني قوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} (¬4).
وقد وافقه في كثير من المواطن غير ما تقدم (¬5).

4 - عند الإمام أحمد:
أما منزلة التابعين عند الإمام أحمد فهي لا تدانيها منزلة لأن الإمام أحمد كان من منهجه أنه لا يخرج عن الآثار المرفوعة والموقوفة، فإذا لم يكن ثمّ شيء من ذلك فإنه يرجع إلى أقوال التابعين، وغالبا ما يحكيها، ولا يتعداها، فإن كان هناك اختلاف في الحكم عن التابعين، انعكس ذلك على آرائه، واتضح جليا في تعدد أقواله (¬6).
¬__________
(¬1) السير (8/ 402).
(¬2) سورة البقرة: آية (115).
(¬3) الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 35)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (1/ 25)، وقد سبق بحث ذلك في مبحث منهجهم في آيات الاعتقاد ص (793) وبيان أن ذلك ليس من التأويل المذموم.
(¬4) سورة النازعات: آية (3)، ويراجع حاشية ابن القاسم على الروض المربع (2/ 563).
(¬5) يراجع الرسالة للإمام الشافعي ص (14، 16)، وأحكام القرآن للشافعي (1/ 112)، (2/ 135)، والسنن الكبرى للبيهقي (8/ 51)، (10/ 313).
(¬6) ابن حنبل لأبي زهرة (270)، وقد سبق التفصيل في حكم تفسير التابعي ص (49).

الصفحة 975