ولقد وضح الجانب العلمي في تفسير التابعين في مختلف جوانبه، فإذا أردنا أن نشير إلى مراحل تطور علم التفسير، فإننا لا نجده يبدأ في مراحله الأولى بمستوى يزيد
مع الزمن شأن كثير من العلوم الأخرى، بل نجد عصر التابعين في كثير من مباحث هذا العلم يعتبر العصر الذهبي للتفسير، ولا سيما أن المنقول من التفسير النبوي، وتفسير الصحابي قليل بالنسبة لآيات القرآن الحكيم.
إننا إذا طالعنا كتب التفسير فإننا قلما نجد آية لا يكون للتابعين فيها قول، أو أثر.
وإذا أردنا إعمال الفكر، والاجتهاد في آية، توصلنا بذلك إلى قضية صحيحة تقوم الأدلة على صحتها، فإننا في الحقيقة نكون قد وافقنا قولا لتابعي، أو اجتهادا لتابعي آخر.
ولا أدل على صحة هذه الدعوى من أن علماء التفسير الجهابذة إذا اجتهدوا في التفسير، وأمعنوا النظر في استخراج المعاني من الآيات فإنهم لا يعدمون أن يجدوا أثرا عن تابعي يوافق اجتهادهم الصحيح وقولهم المستقيم.
بل وأكثر من ذلك ما نجد في كتب الاعتقاد من اعتماد الأئمة في ردودهم على منتحل نحلة باطلة، قد استدل على بدعته بآية من كتاب الله، فإن قول التابعي هو من أهم الأدلة التي يعتمدها أئمة السنة في هدم هذا القول، وتلكم البدعة.
فإذا عرجنا على الفقه فإننا نجد الفقهاء قد درجوا على الاستدلال بالكتاب، ثم بالسنة، والآثار عن الصحابة، والتابعين، فإذا أرادوا إقامة الشرح، والبيان، وطرق الاستدلال، فإننا نجدهم يعتمدون أقوال المفسرين من التابعين في بيان معنى أدلة الكتاب، وفقه الآيات، ولا يكادون يتجاوزونها.
وإذا علمنا أن القرآن الكريم حوى أسس الفقه كلها عرفنا قيمة تفسير التابعين للقرآن، ولا سيما لآيات الأحكام، وكذلك الأمر في القراءات، واللغة، والأصول، وغيرها.
إن علم التفسير كان الأساس لكثير من العلوم لأنه يتعلق بكتاب الله الذي هو
أصل كل العلوم، ومدار دين الإسلام، وتفسير التابعين يعتبر أساس هذا العلم ولبه، ويمكن معرفة ذلك، واستنباطه من المباحث التي مرت معنا.