كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وأما الطبقة التي تلي أتباع التابعين من جاء بعدهم من المفسرين كابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وأضرابهم، فلقد كانت لهم أقوال واجتهادات، واختيارات في التفسير، إلا أنهم في الأعم الأغلب لم يخرجوا عن تفسير التابعين، فكان اجتهادهم في ترجيح قول تابعي على آخر، وكان اختيارهم من بين آثار التابعين، وقد يخرج الاختيار للمروي عن غير التابعين (صحابة، أو تابع الأتباع)، إلا أنه غالبا ما يكون هو قول أحد التابعين في الجملة ولا سيما أننا نجد ما انفرد به التابعون في تفسير بعض الآيات، ولم يشاركهم في تفسيرها آثار عن الصحابة، أكثر بكثير من الآيات التي لا نجد فيها أقوالا للتابعين، وبها أقوال لغيرهم. بل إن شئت أن أقول: إنني لم أجد
بهذه الصفة الأخيرة شيئا فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، لما أبعدت النجعة في ذلك، إذ لم أجد آية انفرد بتفسيرها صحابي، ولا يوجد عن التابعين فيها نقل وأثر!! في حين، وجدت الكثير من الروايات عن التابعين في تفسير آيات لم ينقل فيها عن الصحابة تفسير لها.
وإذا أردنا أن نستعرض كتب التفسير بالمأثور نجد أنها اختلفت في عدد الآثار التي حوتها ونوعيتها، فاتجه كل مفسر إلى تفسير أحد التابعين فأكثر منه بالنسبة لغيره، فكانت كتب المغاربة مثلا تكثر من التفسير المنقول عن المدرسة البصرية، ولا سيما الحسن وقتادة، فتفسير يحيى بن سلام وتفسير ابن عطية، لم يكن فيه عن الصحابة إلا شيء يسير، بينما كان الاعتماد في هذه التفاسير على تفسير التابعين، ولا سيما الحسن، وقتادة.
وها هو ذا عبد الرزاق يكثر في نقله عن قتادة، حتى بلغ المروي فيه عنه نحو ثلثي المرويات الواردة في تفسيره.
وقريب من الثلثين من تفسير الطبري كان عن التابعين، ويعد تفسير مجاهد الأكثر شيوعا، فقد بلغ نحوا من سدس مجموع روايات الكتاب، وقريب من هذا كانت حال تفسير ابن أبي حاتم.
ولقد اعتمد السفيانان الثوري وابن عيينة، على تفسير التابعين في كتابيهما في التفسير، ولا سيما الآثار الواردة عن مجاهد، في حين كانت المرويات عن أبي العالية هي الأكثر في تفسير آدم بن أبي إياس.
ولم يختلف الحال بالنسبة للماوردي، والبغوي، وابن الجوزي في تفاسيرهم، فقد قاربت المرويات فيها عن التابعين ثلثي حجم كتبهم.
وتفسير عبد بن حميد وهو من التفاسير المفقودة يعتبر كذلك من التفاسير التي
اعتمدت على أقوال التابعين أكثر من غيرهم، وذلك إذا رجعنا إلى تفسير الدر المنثور فيما ينقله عنه، وقد سبق بيان ذلك.

الصفحة 984