كتاب الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها لابن قتيبة
تُسْكِرْ. وَقُوَى الْحَبْلِ إِذَا جُمِعَتْ وَأُمِرَّتْ ثُمَّ اتُّخِذَ مِنْهَا مَرِيرٌ يوثق به الْبَعِيرَ لَمْ تَكُنْ قُوَّةٌ مِنْهَا أولى بحبيس البعير وضبطه من الأخرى.
وقال كِسْرَى: امْتَحِنُوا الرَّجُلَ إِذَا مَجَّ من عَقْلِهِ مَجَّةً أَوْ مَجَّتَيْنِ يُرِيدُ إِذَا شَرِبَ كَأْسًا أَوْ كَأْسَيْنِ فَأُخْبِرُكَ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ وَاحِدًا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ وَاحِدًا حَتَّى ينفده.
وبعد فَكَيْفَ يَعْرِفُ الْقَدَحَ الْمُسْكِرَ مَنْ شَرِبَ فَيَتَجَنَّبَهُ إِلَّا بِالظَّنِّ الَّذِي قد يخطئ ويصيب.
وقد كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لِمَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ لَا يَصِحُّ تساق عَلَى عِلَّةٍ أُخْرَى فَقَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ السُّكْرُ فَزَادَ النَّاسُ مِيمًا فَأَنَّى لَهُ بِهَذَا الْخَبَرُ وَكَيْفَ علمه ولم يخبره أَحَدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَإِنَّمَا الْأَخْبَارُ كُلُّهَا مِنَ الْوُجُوهِ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَفِي بَعْضِهَا كُلُّ مُسْكِرٌ خَمْرٌ فَهَلْ يَجُوزُ أن يكون كل مسكر خَمْرًا وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَارِضَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ لَوْ وَجَدَ لَهُ أَصْلًا فِي الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ فَيَجْعَلَهُ شَاهِدًا لِمَا قَالَ وَيَتَوَهَّمُ عَلَى النَّاقِلِينَ لَمَّا خَالَفَ مَذْهَبُهُ الْغَلَطَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْغِيَ نَقْلَ الثِّقَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِظَنِّ إِبْرَاهِيمَ وَحُسْنِ رَأْيِهِ عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ.
الصفحة 223