228 ...
كان الشأن في بناء مسجد المدينة أو توسعته .. (انظر تاريخ دمشق لابن عساكر جـ 1).
ولكنني أرى أن من أسباب قلة المباني الخالدة أن العرب رغم تملكهم الأمصار واقتنائهم الأموال، كانوا يميلون إلى الاعتدال في البناء، لأنهم ليسوا بعيدي عهد بوجودهم في الجزيرة العربية، ولم تكن تشدهم مظاهر البذخ والتطاول في البنيان.
وعندما دخلوا في الإسلام ناسبهم ما فيه من روح الاعتدال، أو جاء الإسلام مقراً لما عندهم من بساطة العيش، ثم دعا الإسلام إلى عدم التطاول في البنيان.
ويظهر للمتأمل في التاريخ أن المباني القديمة التي بقيت جاثمة على مرّ العصور قد بذل فيها جهد كبير يحتاج إلى عدد كبير من العمال.
ولا بد للحاكم الذي بنى هذه المباني أنه قد سخر فيها شعبه لهذا العمل .. أما العرب المسلمون، فإنهم رغم كثرة ما عندهم من العبيد بعد الفتح، إلا أنهم كانوا أكثر رأفة بالعبيد من الروم والفرس، وكانت الأمم السابقة تستبعد شعوبها وتجبرهم على أعمال فوق طاقتهم حتى ولو هلكوا في سبيل ذلك. ولم يكن هذا من عادة العرب ولايرضى عنه الإسلام.
وكان العرب يميلون إلى تخليد ذكرهم بالأعمال الصالحة في خدمة المجتمع، كالكرم والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، ويحبذون ذكر محامدهم في قصائد الشعراء، وعندما جاء الإسلام، حقر من قيمة الدنيا وجعل الخلود في الآخرة وخير الأعمال التي تخلد صاحبها في الدنيا وتدر عليه الثواب المستمر الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح (1).
...
__________
(1) معنى حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). أخرجه مسلم في الوصية، وأبو داود في الوصايا، والترمذي في الأحكام.