كتاب أخبار الوادي المبارك العقيق

229 ...
أما الأمم الأخرى، فتميل إلى تخليد اسمها بالمباني الشاهقة والقبور الثابتة والهياكل العظيمة، ولذلك سخروا شعوبهم في إقامة هذه المعالم.
وعندما ضعف العنصر العربي، وخبت الروح العربية، وسيطر على البلاد العربية سلاطين من غير العرب: الأيوبيون، والمماليك، والترك.
أصبحنا نشاهد الأبنية الضخمة والقلاع العظيمة والمساجد المتينة البناء، لأنهم كانوا يبنونها لتخليد ذكرهم على عادة العجم في بلادهم.
وإنك لتنظر في المساجد والمدارس والقلاع التي بناها السلاطين العجم، فتندهش من قوة بنائها وثباتها، وتسأل نفسك كيف استطاعوا بناء هذه الشوامخ الثابتة رغم قلة الإمكانات الآلية أو انعدامها، إذا قيست بالعصر الحاضر .. حتى يعجز المعماريون في العصر الحديث عن بناء أمثالها.
وقد عقد ابن خلدون فصولاً في مقدمته (1) في بيان سبب خراب العمران عند العرب وخلوده عند الأمم الأخرى، فقال: إن العرب أمة بدوية بعيدة عن الصنائع، ولم ينفسح الأمد لتستوفي رسوم الحضارة، وإنهم استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم.
وأيضاً كان الدين أول الأمر مانعاً من المغالاة في البنيان والإسراف فيه من غير القصد، كما عهد لهم عمر حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة، وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل، فقال: افعلوا ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة .. فلما بعد العهد بالدين، والتحرج في أمثال هذه المقاصد، وغلبة طبيعة الملك والترف، واستخدام العرب أمة الفرس، وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف، فحينئذ شيدوا المباني والمصانع وكان ...
__________
(1) مقدمة ابن خلدون: الفصول: فصل في أن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول، وفصل في أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل.

الصفحة 229