230 ...
عهد ذلك قريباً بانقراض الدولة، ولم ينفسح الأمد لكثرة البناء إلا قليلاً. وليس كذلك غيرهم من الأمم، فالفرس طالت مدتهم آلافاً من السنين، وكذلك القبط والروم، وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة، طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم، فكانت مبانيهم وهياكلهم أكثر عدداُ وأبقى على الأيام أثراً)).
وقصور العقيق أهلها من العرب، وبنيت في مهد العرب، وينطبق على أهلها، ما ينطبق على العرب.
بل إن لقصور العقيق أحوالاً خاصة بها زائدة عما يقال عن أحوال البناء عند العرب في الأقاليم الأخرى.
فالعرب في الأقاليم الأخرى: الشام، ومصر، والعراق، يحكمون أمماً لهم حضارة في البناء، ويمكنهم الاستعانة بهم في هندسة العمارة، وأدوات البناء متوفرة أكثر مما تتوفر في المدينة، وعندهم نماذج يحتذون بها.
أما في المدينة فإنهم يبنون على غير مثال، وليس عندهم المعماريون الماهرون والمهندسون الحاذقون .. فقد كانوا يستخدمون العبيد في أعمال البناء، ولكن هؤلاء العبيد وإن كانوا من العجم، إلا أنهم ليسوا من أهل صناعة البناء.
وهناك سبب آخر في خراب قصور العقيق، نأخذه مما كتبه ابن خلدون في فصل ((إن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل))، وفي ذلك يقول: ((والسبب في ذلك شأن البداوة والبعد عن الصنائع فلا تكون المباني وثيقة في تشييدها.
وله: _ والله أعلم _ وجه آخر، وهو أمس به، وذلك قلة مراعاتهم لحسن الأختيار في اختطاط المدن: في المكان، وطيب الهواء والمياه والمزارع، والمراعي، فإنه بالتفاوت في هذه، تتفاوت جودة المصر ورداءته ... والعرب بمعزل
...