231 ...
عن هذا .. وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظعن، فكانت بعيدة عن الموضع الطبيعي للمدن، ولم تكن لها مادة تمد عمرانها من بعدهم.
فقد كانت مواطئها غير طبيعية، ولم تكن وسط الأمم فيعمرها الناس فلأول وهلة من انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي كانت سياجاً لها، أتى عليها الخراب كأن لم تكن)) (1).
ويصدق على مباني العقيق مما قاله ابن خلدون، فهي بعيدة عن مساكن الناس في المدينة، وليس بجوارها المزارع التي تمد أهلها بالغذاء، والمياه فيها تحتاج إلى العمال لاستخراجها ونقلها، فالسكنى فيها تحتاج إلى نفقة كبيرة لا يقدر عليها إلا الأثرياء، ولذلك عندما هجرها أهلها عند سقوط الدولة الأموية، لم يحاول الناس الأنتقال إليها أو عمران غيرها، فأسرع إليها الخراب لأنها أصبحت مهجورة لا تجد العناية، لتقاوم عوامل الهدم من رياح وأمطار وحرارة، وحيوانات سائبة ووحوش ضارية، وأيد بشرية عابثة.
هل يمكن أن نقول أخيراً: قد يكون العباسيون هدموا قصور الأمويين في العقيق؟ هذا احتمال ضعيف، لأننا لم نقرأ في تاريخ المدينة أن العباسيين ...
__________
(1) كثيراً ما يتهم ابن خلدون بأنه يكره العرب لأن له رأياً في موقف العرب _ البداة _ من البناء. ونحن نقول: قد تصح آراء ابن خلدون وقد يجانبها الصواب، لأنه اجتهد في تفسير ظواهر العمران البشري. ولكننا لا نوافق على اتهامه بكره العرب. لأنه عربي حضرمي وفقيه مالكي، ومثله لا يكون شعوبياً لأن الشعوبية عقيدة المنافقين من العجم. قال عليه الصلاة والسلام: ((حب العرب إيمان وبغضهم نفاق)) رواه الحاكم. وقال عليه السلام: ((يا سليمان لا تبغضني فتفارق دينك)) قال: كيف؟ قال: ((تبغض العرب فتبغضني)) رواه الإمام أحمد والترمذي.