247 ...
فلما كان في بعض الأيام سال وادي العقيق، فلم يبق في المدينة مخبأة ولا مخدرة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة وهو معتجر (1)، فنظر إليه الحسن بن الحسن (2) بن علي، وكان فيمن خرج إلى العقيق وبين يديه عبدان أسودان كأنهما ساريتان يمشيان أمام دابته، فقال لهما: أقسم بالله إن لم تفعلا ما آمركما به لأنكلن بكما. فقالا: قل ما تأمرنا به، فلو أمرتنا أن نقتحم النار فعلنا.
قال: اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه فأمسكاه، فإن لم يفعل، ما آمره، فاقذفا به في العقيق.
فمضينا والحسن يقفوهما، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بمنكبيه، فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يا ابن عائشة، فقال: لبيك وسعديك، بأبي أنت وأمي، قال: اسمع مني ما أقول لك، واعلم أنك مأسور في أيديهما، وقد أقسمت إن لم تغن مائة صوت ليطرحانك في العقيق ... فأقبل ابن عائشة يغني، فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه .. فكان ابن عائشة بعد ذلك إذا قيل له: ماأشد يوم مرّ عليك، يقول: يوم العقيق (3).
وفي أخبار دحمان (4)، قال الربعي المغني: قال لنا جعفر بن سليمان، وهو أمير المدينة _ في العصر العباسي _ اغدوا على قصري ...
__________
(1) اعتجر: لف عمامته، فهو معتجر.
(2) الحسن بن الحسن، كبير الطالبيين في عهده توفي سنة 97 هـ، قيل للحسن: ألم يقل رسول الله ((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) قال بلى، ولكن والله لم يعن رسول الله بذلك الإمارة والسلطان ولو أراد ذلك لأفصح لهم به ((تهذيب التهذيب)).
(3) في الأغاني جـ 205/ 2 حدد المكان من العقيق فقال: فسال العقيق مرة فدخل عرصة سعيد الماء حتى ملأها، فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة، وذكر القصة ..
(4) دحمان: اسمه عبد الرحمن بن عمرو من الموالي، عالم بالغناء، وكان يعلم الجواري الغناء، قال الزركلي: وكان صالحاً كثير الصلاة، من كلامه: ما رأيت باطلاً اشبه بالحق من الغناء ((أخباره في الأغاني)) جـ 28/ 6.