251 ...
سماء خليقة أن تبل ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس، فإنه قريب منا فنستكن فيه، ويحدثنا ويضحكنا؟)).
وروى إبراهيم بن المهدي (1) قال: حججت مع الرشيد، فلما صرنا بالمدينة خرجت أدور في عرصاتها، فانتهيت إلى بئر وقد عطشت، وجارية تستقي منها.
فقلت يا جارية، امتحي لي دلواً، فقالت: أنا والله عنك في شغل بضريبة موالي عليّ، فنقرت بسوطي على سرجي وغنيت:
رام قلبي السلو عن أسماء وتعزى وما به من عزاء
سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء (2)
فرفعت الجارية رأسها إليّ فقالت: أتعرف بئر عروة؟ فقال: لا.
قالت: هذه والله بئر عروة.
ثم سقتني حتى رويت، وقالت: إن رأيت أن تعيده، ففعلت، فطربت، وقالت: والله لأحملن قربة إلى رحلك، ففعلت، وجاءت معي تحملها، فلما رأت الجيش والخدم، فزعت، فقلت لها: لا بأس عليك، وكسوتها ووهبت لها دنانير، وحبستها عندي، ثم صرت إلى الرشيد، فحدثته حديثها فأمر بابتياعها وعتقها.
وبعد: فذاك قليل من كثير مما تزخر به كتب الأدب والأخبار عما كان في العقيق من لقاءات في مواسم العقيق، وإنما اجتزأت منه ما يتصل بأهل الشرف والمروءة من رجالات ذاع ذكرهم في الإمارة والأدب والعلم، وضربت صفحاً عن أخبار كثيرة تتعلق بأخبار بعض الشعراء والمغنين، لما يظهر فيها من التلفيق الذي لايليق بهذا المقام.
...
__________
(1) إبراهيم بن المهدي: أخو هارون الرشيد: كان أسود اللون، امه جارية سوداء، وكان حاذقاً بصنعة الغناء توفي سنة 224 هـ.
(2) الأبيات في شعر ((الأحوص الأنصاري)) ص 71 والقصة ص 239 وقد نسبت في ((وفاء الوفا)) إلى السريّ الأنصاري في أخبار بئر عروة.