كتاب أخبار الوادي المبارك العقيق

253 ...
وتشوقه إلى متقدم إخوانه وبكاؤه على ما مشى من زمانه. وقالوا: الكريم يحن إلى وطنه كما يحن الأسد إلى غابه.
وقالوا: يشتاق اللبيب إلى وطنه كما يشتاق النجيب إلى عطنه (1) ... وقال آخر: الحنين إلى الوطن من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرّشدة، وكرم الرشدة من كرم المحتد.
قال الشاعر:
لقرب الدار في الأقتار خير من العيش الموسع في اغتراب
ورووا في القصص أن سيدنا سليمان عليه السلام قال: آتوني بأجمل الطيور غناء، فبحثوا عنه فوجدوه يسكن في أقل المناطق زراعة وأسوئها حالاً، ونقلوه إلى قصر الملك سليمان وطلبوا منه الغناء، فلم يغن، فسألوه عن السبب فقال: أرجعوني إلى وطني تسمعوا غنائي.
وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً ويرفض عرقاً، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساءه، ويجلس يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
قال الحصري في زهر الآداب: وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم ولا يفهمون العلة في ذلك، حتى أوضحها ابن الرومي في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار، أجبره على بيع داره، واغتصبه بعض جدرها، فقال:
ولي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا ...
__________
(1) زهر الآداب للحصري جـ 2/ 681.
(2) ديوان المعاني، لأبي هلال العسكري جـ 188/ 2.

الصفحة 253