254 ...
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه لها جسد إن بان غودر هالكا
وقال ابن الرومي يتشوق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسر من رأى:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته وعليه أغصان الشباب تميد
وشعر الحنين إلى الأوطان كثير و الأسباب في الحنين متعددة، قال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدأً لأول منزل
وقال أعرابي:
أقول لصاحبي والعيس تخدي بنابين المنيفة فالضمار (1)
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار (2)
ألا يا حبذا نفحات نجد وريا روضه غب القطار (3)
شهور ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار (4)
وقال ابن ميادة يخاطب الوليد بن يزيد:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بحرة ليلى حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي وقطعن عني حين أدركني عقلي
فإن كنت عن تلك المواطن مانعي فأيسر عليّ الرزق واجمع إذن شملي
ولأن ذكر الديار يهيج العواطف الكامنة، فقد جعله العرب من مهيجات قول الشعر عندهم، حيث وقف الجاهليون على أطلال الأحبة، ...
__________
(1) المنيفة، والضمار، أسماء أمكنة، وتخدي: من: خدي البعير والفرس: أسرع.
(2) العرار: نبت له ورد أصفر طيب الرائحة. واحدته عرارة.
(3) القطار: المطر.
(4) السرار: بداية الشهر أو آخره، لأن القمر يستسر فيه. والأبيات في حماسة أبي تمام غير منسوبة، في باب ((النسيب)).