255 ...
ووصفوها وليس لهم غرض من ذكرها، وبقيت بعد أن سكن الناس المدن ولم يروا الأطلال.
قال ابن قتيبة في سبب وصف الأطلال والوقوف عليها (1):
وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد، إنما ابتدأ بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واتوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه ساكنة المدر، لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان.
ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، وألم الفراق، ليميل نحوه القلوب .. ثم قال: وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مشيّد البنيان، لأن الأقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي)).
وقد رأينا في تاريخ الشعر العربي، كيف بقي الشعراء على هذه العادة، في عصر الحضارة والمدينة بعد ترك البادية، وأصبح الوقوف على الأطلال من خصائص عمود الشعر العربي التقليدي، فإذا لم يفعل الشاعر، قالوا: إنه خرج على عمود الشعر (2).
ولكن الأطلال قد تغير مفهومها مع مرور الزمن، فلم تعد مقصورة على أطلال المحبوبة، فقد يقف الشاعر على أطلال المدن والقصور التي كانت تضم أهل المجد والكرم ...
يقف عليها معجباً ويقف عليها راثياً، ويقف عليها متذكراً، وقد أجاد البحتري في وصف أطلال المجد الداثر، فوقف على أطلال الأكاسرة ووصف إيوان كسرى في قصيدته السينية ...
__________
(1) الشعر والشعراء ص 20.
(2) كان الشعراء المولدون أول من حارب الوقوف على الأطلال، ووقفوا منها موقف المستهزىء لأنهم لا تربطهم بالبادية العربية روابط عاطفية، فلم يحنوا إليها.