280 ...
وقد عقد البخاري في صحيحه باباً تحت عنوان ((كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تُعرى المدينة)) وروى عن أنس بن مالك، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله أن تعرى المدينة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم، فأقاموا)) (1).
قال القسطلاني في شرح البخاري: ((اراد عليه الصلاة والسلام أن تبقى جهات - المدينة عامرة بساكنيها ليعظم المسلمون في اعين المنافقين والمشركين، إرهاباً لهم، وغلظة عليهم. وقد علل رسول الله بقاء بني سلمة بالأجر، لأنه ذكر المصلحة الخاصة بهم ليكون ذلك أدعى لهم على الموافقة وأبعث على نشاطهم إلى البقاء في ديارهم)).
فكان إقطاع عمر العقيق للناس، تجديداً لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بأن تكون أطراف المدينة عامرة، وقد خص الرسول العقيق بعنايته، ووردت الآثار التي تحت على عمارته، وتفضيله على غيره من المواطن.
وقد قضت ظروف خاصة أن يتكون مجتمع العقيق من عناصر معينة، يغلب عليها القرشيون بوجه عام، والأمويون بوجه أخص.
ومن هذه الظروف أن الذين يحتاجون إلى الأرض والسكن هم المهاجرون: أما الأوس والخزرج، فهم ليسوا بحاجة إلى أرض العقيق، لأنهم أهل المدينة وهم يملكون البيوت والأرض والبساتين، ولو كانت تضيق بهم أرضهم لعمروا العقيق قبل الإسلام.
يضاف إلى ذلك أنهم لم يكونوا من أهل الثراء، أو العطاء الكثير، ولم تكن حياتهم فيها الكثير من الرفاه، وسكنى العقيق يحتاج إلى المال الوفير، وهو في الوقت نفسه، متعة وانتجاع ورفاهية، وهذه لا تتوفر أدواتها لدى رجالات الأنصار. ولم تظهر منهم الشخصيات القيادية التي تتولى الإمارة، وتتقرب إلى الخلافة، ...
__________
(1) كتاب ((فضائل المدينة)) ورقم (1887) من الفتح. وكتاب ((الأذان)) رقم (655) وروايته ((فكره أن يعروا المدينة)). يقال: أعراه، إذا أخلاه.