كتاب أخبار الوادي المبارك العقيق

288 ...
ثانياً: سيادة العلماء في المجتمع:
لقد أمتد عصر الصحابة في المدينة حتى وصل إلى أواخر العشرة الثامنة (1) في القرن الأول، وكان يعاصرهم كبار التابعين من العلماء الذين كانوا يفتون في حضور (2) الصحابة، وكان النصف الثاني من القرن الأول وبداية القرن الثاني يعج بالعشرات من الفقهاء والمحدثين، يلتف حولهم أهل المدينة لأخذ العلم عنهم، ويقصدهم التلاميذ من الأمصار الإسلامية.
وإذا كانت الأمصار الإسلامية يبرز فيها عالم واحد في الفترة الواحدة فإن المدينة المنورة قد شهر فيها سبعة من العلماء، ممن يسمون ((الفقهاء السبعة)) وشهرة سبعة دلالة على وجود سبعين معهم في عصرهم (3) .. ولكن هؤلاء السبعة ممن اشتهروا بالفتوى بين الناس.
وكثرة العلماء تدل على كثرة التلاميذ وكثرة التلاميذ تدل على انكباب الشباب على طلب العلم، ولزوم العلماء، وحضور الصلوات في المساجد التي يجلس فيها العلماء، ولا شك أن طلب العلم كان يستغرق وقتاً طويلاً من طالبه، مما يجعله ينشغل عما سواه من ملهيات الحياة.
ثالثاً: كان مجتمع المدينة يجمع بين فضيلتين:
الأولى: أن السيادة في المجتمع للعرب، وكان العرب، ولا زالوا في ذلك الوقت محافظين على أعراضهم مبتعدين عن كل ما يؤذي جيرانهم، كما قال شاعرهم:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وقول الآخر:
ولا أُلقي لذي الودعات سوطي أُداعبه وربته أُريد ...
__________
(1) توفي جابر بن عبد الله سنة 78 هـ في المدينة، وكانت له في أواخر حياته حلقة في المسجد النبوي (الإصابة)).
(2) انظر ترجمة ((أبو سلمة بن عبد الرحمن)) في تذكرة الحفاظ جـ 63/ 1.
(3) انظر ((طبقات التابعين في المدينة)) في الطبقات الكبرى ((لابن سعد)) جـ 5.

الصفحة 288