كتاب القطعية من الأدلة الأربعة

ويعمل بالراجح ... وهذا اتباع للعلم لا للظن، وهو اتباع الأحسن كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 1 وقال: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَّبكُمْ} 2، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر3 ...
وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع " 4، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة - مثل بينة تشهد له - ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم ... وهكذا أدلة الأحكام"5.
ومما يقوي الثقة بغلبة الظن في الأدلة الشرعية وصحة الاعتداد بظواهرها أن الألفاظ الشرعية لا يجوز أن يكون المراد منها غير ما ظهر
__________
1 سورة الزمر (18) .
2 سورة الزمر (55) .
3 مثال ذلك أن نزول المطر من الغيم الرطب المتراكم راجح على عدم نزوله، ورجحانه أمر معلوم يقينا، فهذا اعتقاد الرجحان أي القطع بالرجحان، أما نزول المطر فعلاً فهو أمر مظنون غير قطعي إذ من الجائز المحتمل تخلف الأمر الراجح وقوعُه. انظر التنقيح للتبريزي بتحقيق الدكتور حمزة زهير حافظ1/11 مع حاشية رقم (1) .
4 سبق تخريجه قريبا ص 83
5 مجموع الفتاوى13/111-116 وانظر الموافقات للشاطبي3/375.

الصفحة 87