كتاب الفن ومذاهبه في النثر العربي

ما جعل المأمون يقول له، وقد قرأ كتبه في الإمامة: "قد كان بعض من نرتضي عقله، ونصدق خبره، خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة، وكثرة الفائدة، فقلت له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة"1، ونحن مهما وصفنا من عقل الجاحظ، وما يشفع به كتابته من تلاوينه وتحاسينه، فإن ذلك لن يكون شيئا بجانب ما يحسه القارئ له حين يتصفح أعماله، ويقف على مدى استعانته بالعقل في تأليفها وصوغها، والحق أن هذا عمل أوسع من أن نحيط به في صفحات معدودة، وغاية ما يمكننا هو أن نجمل هذا الصنيع في أن الجاحظ كان يدمج إدماجا بديعا بين التلوين الصوتي، والتلوين العقلي في آثاره، فإذا هي تصور طرافة التفكير في أعلى صورة، كما تصور طرافة الصوت، وما ينساق مع هذه الطرافة من تكرار، وترداد كان يستعين بهما دائما على تدبيج أساليبه وتحبيرها، وإنهما ليتجليان دائما في كل ما يملى، ويكتب كما يتجلى جمال التفكير، وجمال التعبير.
__________
1 البيان والتبيين 3/ 374.
8- رسالة التربيع والتدوير:
ونحن نقف عند رسالة للجاحظ تجمع بين دفتيها محاسن التفكير الدقيق، والتعبير الأنيق، وهي رسالة أنشأها في هجاء أحمد بن عبد الوهاب أحد أصحاب محمد بن عبد الملك الزيات1، وقد وصفه بأنه من بجيلة، ومن أصحاب صالح بن علي، وسليمان بن وهب، وندماء جعفر الخياط2، وقال: إنه من الرافضة المشبهة3، ونعته بأنه "يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق فيهم بسبب، وليس
__________
1 أغاني "طبع الساسي" 21/ 32.
2 رسائل الجاحظ "طبع الساسي" ص 100.
3 رسائل الجاحظ ص142.

الصفحة 177